مجمع البحوث الاسلامية
857
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأيضا أنكر زعماء النّصارى ، وصناديد قريش نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله خوفا على مكانتهم ومصالحهم ، وتذرّعوا بالأباطيل كما تذرّع اليهود ؛ حيث قال النّصارى - كما جاء في التّفاسير - : لو أرسل اللّه نبيّا لكان منّا لا من العرب ، أمّا صناديد قريش فقالوا : لو أرسله من العرب لاختاره من الطّبقة الثّريّة القويّة ، كما أشارت الآية : 31 من الزّخرف : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . والآية : 8 ، من الفرقان : أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها . وكلّ شيء يقبل الخصام والحجاج ، حتّى وجود اللّه إلّا شيئا واحدا ، فإنّه لا يقبل النّقاش أبدا عند المعترفين بوجود اللّه ، ألا وهو تخصيص رحمة اللّه وإنعامه على فرد دون فرد : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ الزّخرف : 32 . ولذا أمر اللّه نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله أن يقول للّذين استنكروا إنعام اللّه عليه بالنّبوّة أن يقول لهم : أتحاجّوننا في اللّه ، وأنتم تعلمون أنّه تعالى أعلم بمن يصلح للرّسالة ، وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربّكم . . . وإنّ علينا وعليكم التّسليم لحكمه ، لا المجادلة في إرادته واختياره ، وهذا معنى قوله تعالى : هُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ . ( 1 : 214 ) الطّباطبائيّ : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ إنكار لمحاجّة أهل الكتاب المسلمين في اللّه سبحانه ، وقد بيّن وجه الإنكار ، وكون محاجّتهم لغوا وباطلا ، بقوله : وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ البقرة : 139 . وبيانه : أنّ محاجّة كلّ تابعين في متبوعهما ومخاصمتهما فيه إنّما تكون لأحد أمور ثلاثة : إمّا لاختصاص كلّ من التّابعين بمتبوع دون متبوع الآخر ، فيريدان بالمحاجّة : كلّ تفضيل متبوعه وربّه على الآخر ، كالمحاجّة بين وثنيّ ومسلم . وإمّا لكون كلّ واحد منهما أو أحدهما يريد مزيد الاختصاص به ، وإبطال نسبة رفيقه ، أو قربه أو ما يشبه ذلك ، بعد كون المتبوع واحدا . وإمّا لكون أحدهما ذا خصائص وخصال لا ينبغي أن ينتسب إلى هذا المتبوع وفعاله ذاك الفعال ، وخصاله تلك الخصال ، لكونه موجبا لهتكه أو سقوطه أو غير ذلك . فهذه علل المحاجّة والمخاصمة بين كلّ تابعين ؛ والمسلمون وأهل الكتاب إنّما يعبدون إلها واحدا ، وأعمال كلّ من الطّائفتين لا تزاحم الأخرى شيئا ، والمسلمون مخلصون في دينهم للّه ، فلا سبب يمكن أن يتشبّث به أهل الكتاب في محاجّتهم ، ولذلك أنكر عليهم محاجّتهم أوّلا ، ثمّ نفى واحدا واحدا من أسبابها الثّلاثة ثانيا . ( 1 : 313 ) مكارم الشّيرازيّ : كان اليهود وغيرهم يحاجّون المسلمين بصور شتّى ، كانوا يقولون : إنّ جميع الأنبياء مبعوثون منّا ، وإنّ ديننا أقدم الأديان ، وكتابنا أعرق الكتب السّماويّة . وكانوا يقولون : إنّ عنصرنا أسمى من عنصر العرب ، ونحن المؤهّلون لحمل الرّسالة لا غيرنا ، لأنّ العرب أهل أوثان ، وكانوا يدّعون أحيانا أنّهم أبناء اللّه وأنّ الجنّة لهم لا لغيرهم . القرآن يردّ على كلّ هذه الأقاويل ، ويقول : أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فاللّه سبحانه